مولانا محمد علي ( تعريب : منير بعلبكي )
23
حياة محمد ورسالته
والأشجار ، وأكوام الرمل . وكانوا يخرّون ساجدين أمام أيما حجر جميل قد تقع عليه أبصارهم . فإذا ما عدموا أيما حجر نزعوا إلى عبادة كثيب من الكثبان بعد أن يكونوا قد حلبوا ناقتهم على رماله . وكانوا يعتبرون الملائكة بنات اللّه . وحتى المشاهير من الرجال عبدهم العرب فنقشوا أوثانا وسمّوها بأسمائهم . ولم يكن ضروريا عندهم أن تكون الحجارة منقوشة أو منحوتة كما ينبغي لها أن تنقش أو تنحت . حتى الحجارة الجافية غير المنحوتة كانت تفي عندهم بالغرض . وكانوا إذا ما انطلقوا في رحلة حملوا معهم أربعة أحجار ، فأما الثلاثة الأولى فلكي ينصبوا بها موقدا ، واما الرابع فلكي يسجدوا له ويعبدوه . وكانوا في بعض الأحيان لا يحملون حجرا مستقلا لأغراض العبادة . فما إن يفرغوا من طهو طعامهم حتى ينتزعوا أيما اثفيّة من الأثافي الثلاث ويسجدوا لها . وعلاوة على الثلاثمئة والستين وثنا المنصوبة في الكعبة كان لكل قبيلة وثن خاص بها . بل لقد كان ثمة في كل بيت وثن . وبكلمة موجزة ، كانت عبادة الأوثان قد أمست عندهم طبيعة ثانية فرضت سلطانها على حياتهم اليومية بتفاصيلها كلها . وكانت الفكرة الرئيسية التي يقوم عليها ايمانهم ان اللّه قد أناط السيطرة على نظام الكون هذا وأناط إدارته بآلهة آخرين خوّلهم كامل القوة والسلطان ، فهم قادرون على أن يشفوا المرضى ، ويرزقوا الناس أولادا ، ويقضوا على المجاعة والأوبئة . وليس من سبيل إلى الفوز بالرضوان الربّاني إلا من خلال هذه الأوثان وبفضل شفاعتها . كانوا يسجدون لها ، ويطوّفون حولها ، ويذبحون لها القرابين ، ويفردون جزآ من نتاج حقولهم من حيواناتهم لتقديمه إليها . من حضيض هذه الوثنية المخزية انتشل الرسول محمد عليه السلام بلاد العرب كلها في فترة من الزمان قصيرة لا تعدو عشرين عاما . انه لم يستأصل الوثنية من بلاد العرب استئصالا نهائيا فحسب ، بل اضرم في قلوب أولئك العرب أنفسهم